محمد حسين الذهبي

364

التفسير والمفسرون

عنه ولو بطريق إخضاع الآيات القرآنية لمذهبه ، والميل بها مع رأيه وهواه ، وتأويل ما يصادمه منها تأويلا يجعلها غير منافية لمذهبه ولا متعارضة معه . ومن هنا بدأ الخروج عن دائرة الرأي المحمود إلى دائرة الرأي المذموم ، واستفحل الأمر إلى حد جعل القوم يتسعون في حماية عقائدهم ، والترويج لمذاهبهم ، بما أخرجوه للناس من تفاسير حملوا فيها كلام اللّه على وفق أهوائهم ، ومقتضى نزعاتهم ونحلهم ! ! . ونحن نعلم بطريق الإجمال - وللتفصيل موضع غير هذا - أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قال « ستفترق أمتي ثلاثا وسبعين فرقة ، كلها في النار ، إلا واحدة ، وهي ما أنا عليه وأصحابي » وقد حقق اللّه نبوءة رسوله ، وصدق قوله فتصدعت الوحدة الإسلامية إلى أحزاب مختلفة ، وفرق متنافرة متناحرة ، ولم يظهر هذا التفرق بكل ما فيه من خطر على الإسلام والمسلمين إلا في عصر الدولة العباسية ، أما قبل ذلك ، فقد كان المسلمون يدا واحدة ، وكانت عقيدتهم واحدة كذلك ، إذا استثنينا ما كان بينهم من المنافقين الذين ينتسبون إلى الإسلام ويضمرون الكفر ، وما كان بين على ومعاوية من خلاف لم يكن له مثل هذا الخطر . وإن كان النواة التي قام عليها التحزب ، ونبت عنها التفرق والاختلاف . بدأ الخلاف بين المسلمين أول ما بدأ ، في أمور اجتهادية لا تصل بأحد منهم إلى درجة الابتداع والكفر ، كاختلافهم عند قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « ائتوني بقرطاس أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدى » حتى قال عمر : إن النبي قد غيبه الوجع ، حسبنا كتاب اللّه ، وكثر اللغط في ذلك حتى قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : قوموا عنى ، لا ينبغي عندي التنازع » وكاختلافهم في موضع دفنه صلّى اللّه عليه وسلم « أيدفن بمكة ؛ لأنها مولده وبها قبلته ومشاعر الحج ؟ أم يدفن بالمدينة ، لأنها موضع هجرته ، وموطن أهل نصرته ؟ أم يدفن ببيت المقدس ، لأن بها تربة الأنبياء ومشاهدهم ؟ ، وكالخلاف الذي وقع بينهم